الشيخ الطبرسي

101

تفسير مجمع البيان

كل شئ . فإن قلت . كيف يدل قوله ( أحسن كل شئ ) على خلق كل شئ ، وقد نجد أشياء حسنة مما لم يخلقها ؟ قيل : هذا كما قال ( خالق كل شئ ) فأطلق اللفظ عاما . وروي أن عكرمة سئل عن قوله تعالى ( أحسن كل شئ خلقه ) فقال : إن إست القرد ليست بحسنة ، ولكنه أبرم خلقها أي : أتقن ، وما قلناه من أن انتصاب خلقه من المصدر الذي دل عليه فعل متقدم مذهب سيبويه . ويجوز أن يكون ( خلقه ) بدل من قوله ( كل شئ ) ، فيصير التقدير : الذي أحسن خلق كل شئ . ومن قال ( أحسن كل شئ خلقه ) كان ( خلقه ) وصفا للنكرة المتقدمة . وموضع الجملة يحتمل وجهين : النصب على أن يكون صفة لكل ، والجر على أن يكون صفة لشئ . وترك الهمزة في ( بدا ) محمول على البدل ، لا على التخفيف القياسي ، ومثله بيت الكتاب . راحت بمسلمة البغال عشية * فارعي فزارة لا هناك المرتع ( 1 ) وتقول على البدل : أبديت إذا أخبرت عن نفسك . وتقول على التخفيف بدأت بالألف بلا همزة . وقد مر القول في اختلافهم في قوله ( أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد ) وموضع ( إذا ) : نصب بما دل عليه قوله ( أإنا لفي خلق جديد ) لأن هذا الكلام يدل على نعاد والتقدير : نعاد إذا ضللنا في الأرض . قال أبو عبيدة : معناه همدنا في الأرض . وقال غيره : صرنا ترابا فلم يتبين شئ من خلقنا . وقوله ( صللنا ) بالصاد من قولهم : صل اللحم إذا نتن يصل ويصل . والمعنى : إذا دفنا في الأرض ، وصلت أجسامنا . وقيل : إن معناه من الصلة وهي الأرض اليابسة ، ومنه الصلصال . المعنى : ثم أكد سبحانه ما تقدم من دلائل وحدانيته ، وأعلام ربوبيته ، فقال : ( ذلك عالم الغيب والشهادة ) أي : الذي يفعل ذلك ، ويقدر عليه ، هو العالم بما يشاهد ، وما لا يشاهد ، وبما غاب عن الخلق ، وما حضر ( العزيز ) المنيع في ملكه

--> ( 1 ) البيت منسوب إلى الفرزدق ، يهجو به عمر بن هبيرة الفزاري أي : المنسوب إلى فزارة ، ويخاطبهم يقول : راحت البغال بمسلمة - وهو مسلمة بن عبد الملك على ما قيل - فصفى لك العيش يا فزارة . ثم يدعو عليهم ويقول : لا يكن المرعى لك هنيئا .